حين تتغير الوظيفة أسرع من الموظف… التدريب وحده لن يكفي

26 أغسطس، 2026

4:13 م

شارك المقال على:

لو أردت أن تستعد شركتك لعصر الذكاء الاصطناعي بطريقة غير فعالة، فالأمر بسيط. اشترِ بعض الأدوات الجديدة، أطلق عدداً من الدورات التدريبية، اطلب من الموظفين أن “يطوروا مهاراتهم”، ثم استمر في تصميم الوظائف والمسؤوليات ومسارات الترقية كما كانت قبل الذكاء الاصطناعي. بعد فترة، قد تجد أن الناس تعلموا استخدام أدوات أكثر حداثة، لكن المؤسسة نفسها لم تصبح أكثر استعداداً للمستقبل.

المشكلة أن الذكاء الاصطناعي (AI) لا يغير الأدوات التي نستخدمها فقط. هو يبدأ في تغيير العمل نفسه. وهذا فرق أكبر بكثير مما يبدو.

هل المشكلة فجوة مهارات فقط؟

لسنوات طويلة، كان الحديث عن تطوير المواهب يدور حول سؤال مباشر: ما المهارة التي يحتاج الموظف إلى تحسينها حتى يؤدي وظيفته بصورة أفضل؟ المحاسب يتعلم نظاماً جديداً، والمسوق يتعلم قناة جديدة، والمبرمج يتعلم تقنية جديدة، والمدير يضيف إلى أدواته مهارة قيادية أخرى. هذا هو منطق رفع المهارات (Upskilling): نحتفظ بالدور نفسه تقريباً، ثم نجعل الشخص أفضل في أدائه.

لكن ماذا يحدث عندما لا تتغير المهارة فقط، بل تتغير طبيعة الوظيفة ذاتها؟

في عام 2019م، قدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن 14% من الوظائف في دول المنظمة معرّضة لخطر أتمتة مرتفع، وأن 32% إضافية مرشحة لتغيّر جوهري في طبيعتها، وذكر التقرير في مقدمته أفقاً زمنياً يتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً. وقد صدر هذا التقدير قبل ظهور موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي أصلاً.

وبعد سبع سنوات، صار السؤال أكثر تعقيداً. ففي إصدار عام 2026م، لا تعرض المنظمة رقماً عالمياً واحداً، بل نطاقاً يتراوح بين 16% وأكثر من 70% من الوظائف المعرّضة للذكاء الاصطناعي التوليدي، بحسب المنطقة الجغرافية. وهذا التفاوت الهائل رسالة مباشرة لكل قيادة: أثر الذكاء الاصطناعي ليس واحداً في كل سوق، ولا يمكن استيراد خطة مؤسسة أخرى في اقتصاد آخر وافتراض أنها تناسبك.

وفي مقال “إعادة بناء المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي” (Reskilling in the Age of AI) المنشور في Harvard Business Review، والذي فاز بجائزة المجلة لأفضل مقال لعام 2023م، يشير الباحثون إلى أن متوسط العمر النصفي للمهارات أصبح أقل من خمس سنوات، وينخفض إلى نصف هذه المدة في بعض المجالات التقنية. وفي الوقت نفسه، لم تعد التقنيات الجديدة تقتصر على الأعمال اليدوية أو المتكررة، بل أصبحت تدخل في البحث، والبرمجة، والكتابة، والتحليل، وغيرها من الأعمال المعرفية التي كان يُنظر إليها سابقاً باعتبارها أكثر حصانة أمام الأتمتة.

ويشير البحث نفسه إلى أن مؤسسات كثيرة تستثمر فعلاً في رفع مهارات موظفيها، بما يصل إلى 1.5% من إجمالي ميزانياتها وفق دراسة لـ BCG، لكن خلاصة الباحثين أن رفع المهارات وحده لن يكفي.

وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الوظائف ستختفي، لكنه يعني أن الموظف قد يحتفظ بالمسمى الوظيفي نفسه بعد عدة سنوات، بينما يكون العمل الذي يؤديه مختلفاً بصورة جوهرية عما كان يقوم به عندما التحق بالشركة. هنا يتغير السؤال من: كيف نرفع مهارات الموظف؟ إلى سؤال أصعب: هل الوظيفة التي نُعدّه لها ستبقى موجودة بالشكل نفسه أصلاً؟

ما الفرق بين أن تطور الموظف وأن تعيد بناء قدرته؟

لا بد من التفريق بين رفع المهارات (Upskilling) وإعادة بناء المهارات (Reskilling)، فالأول يساعد الشخص على أن يصبح أفضل في العمل الذي يؤديه اليوم، أما الثاني فيفترض أن قدراته الحالية قد لا تكون كافية للعمل الذي ستحتاجه المؤسسة غداً، ولذلك يحتاج إلى الانتقال إلى مجموعة مختلفة من المهارات، وربما إلى دور مختلف جزئياً أو كلياً.

والفرق يشبه إلى حد ما الفرق بين تحسين المحرك وإعادة تصميم المركبة؛ في الحالة الأولى نريد أداءً أفضل من النظام الموجود، وفي الثانية نعترف بأن الطريق نفسه تغير، وأن ما كان مناسباً بالأمس قد لا يكون مناسباً للمرحلة القادمة.

جدول مقارنة بين رفع المهارات (Upskilling) وإعادة بناء المهارات (Reskilling) في أربعة أبعاد: الهدف، والافتراض، والنطاق، والنتيجة. رفع المهارات يستهدف أداءً أفضل في الدور نفسه بافتراض بقاء الوظيفة كما هي، ونتيجته موظف أكفأ. أما إعادة بناء المهارات فتستهدف الانتقال إلى عمل مختلف بافتراض أن طبيعة الوظيفة تغيرت، ونتيجتها مؤسسة أقدر.
الفرق ليس في حجم التدريب، بل في الافتراض الذي بُني عليه.

ولهذا يرى الباحثون أن رفع المهارات وحده لن يكون كافياً أمام حجم التحول. فبعض الموظفين لن يحتاجوا فقط إلى تعلم أداة جديدة داخل وظيفتهم الحالية، بل إلى الانتقال من نوع من العمل تتراجع الحاجة إليه إلى نوع آخر لم يكن موجوداً بالشكل نفسه قبل سنوات قليلة. وعند هذه النقطة، لا تعود إعادة بناء المهارات برنامجاً تدريبياً، بل تصبح مشروع تحول مؤسسي.

لمن أترك أمر التحول المؤسسي في بناء المهارات؟

إذا تركته للموارد البشرية وحدها، فقد بدأت من المكان الخطأ

تقليدياً، تضع المؤسسات برامج التدريب وإعادة التأهيل داخل الموارد البشرية (HR) أو إدارات التعلم والتطوير، وهذا يبدو منطقياً، فهذه الجهات تدير منصات التعلم، وتنظم البرامج، وتقيس عدد المتدربين وساعات التدريب وتكلفة التعلم لكل موظف.

لكن المشكلة أن كل هذه المؤشرات يمكن أن تتحسن بينما لا تتغير القدرة الاستراتيجية للمؤسسة. يمكن للشركة أن تدرب آلاف الموظفين، ومع ذلك تبقى غير قادرة على توفير المهارات التي تحتاجها استراتيجيتها خلال السنوات المقبلة. وهذا ما يفسر رقماً لافتاً: 24% فقط من الشركات المستطلعة في تقرير لـ BCG تربط بين استراتيجيتها المؤسسية وجهودها في إعادة بناء المهارات ربطاً واضحاً، أي أن ثلاثة أرباعها تدرب دون أن تعرف بدقة لماذا تدرب.

والسؤال في هذه الحالة لا يكون: كم دورة نفذنا؟ ولا كم موظفاً أكمل برنامجاً تدريبياً؟ بل:

  • ما القدرات التي ستحتاجها استراتيجيتنا؟
  • وأي منها غير متوفر لدينا اليوم؟
  • وهل نستطيع بناء هذه القدرات داخلياً قبل أن نضطر إلى البحث عنها في سوق عمل ينافسنا فيه الجميع؟

تقدم Ericsson مثالاً واضحاً على هذا التحول، فقد ربطت برامجها مباشرة بتحولها الرقمي وبالمهارات الحرجة لاستراتيجيتها، وجعلت نتائجها الرئيسية جزءاً مما يراجعه كبار القادة كل ربع سنة، وخلال ثلاث سنوات رفعت مهارات أكثر من 15 ألف موظف في مجالي الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

أما CVS فذهبت في اتجاه آخر: جعلت كل قائد أعمال مسؤولاً عن تصميم خطط إعادة تأهيل القوى العاملة اللازمة لتحقيق أهداف وحدته وعن تنفيذها، وأدخلت قدرته على ذلك ضمن تقييم أدائه. وهذه في رأيي أذكى نقطة في التجربتين: حين تنتقل المسؤولية من إدارة مساندة إلى بند في تقييم القائد، يتغير سلوك المؤسسة فعلاً لا شكلاً.

والفكرة هنا ليست أن كل شركة يجب أن تنسخ تجربة Ericsson أو CVS، بل أن القدرة المطلوبة لتنفيذ الاستراتيجية لا يمكن أن تكون مسؤولية إدارة مساندة وحدها. فإذا كانت القيادة هي التي تحدد إلى أين تتجه الشركة، فيجب أن تكون مسؤولة أيضاً عن بناء الأشخاص القادرين على الوصول بها إلى هناك.

ماذا لو كانت أكبر مقاومة للتحول قادمة من المدير الذي يخشى فقدان أفضل موظفيه؟

من أكثر النقاط إثارة للاهتمام أن المقاومة لا تأتي دائماً من الموظفين، بل أحياناً من المديرين أنفسهم، خصوصاً في الإدارة الوسطى. والسبب مفهوم جداً.

المدير لديه أهداف يجب أن يحققها الآن، وإذا سمح لأفضل أعضاء فريقه بقضاء وقت طويل في التعلم، فقد تتأثر النتائج الحالية. وإذا أصبح هذا الموظف بعد ذلك مؤهلاً لدور أفضل في قسم آخر، فقد يفقد المدير واحداً من أكثر الأشخاص الذين يعتمد عليهم. هنا يظهر ما يعرف باحتكار المواهب (Talent Hoarding) داخل الفرق؛ قد يقول المدير إنه يدعم تطوير الناس من حيث المبدأ، لكنه عملياً يحاول الاحتفاظ بأفضل العناصر حوله لأن نظام الأداء يكافئه على نتائج وحدته، لا على عدد المواهب التي ساعد المؤسسة على تطويرها.

وهذه ليست مشكلة أخلاقية بالضرورة، إنها مشكلة في تصميم الحوافز. فإذا طلبت من المدير أن يطور موظفيه، ثم عاقبته عندما يصبح هؤلاء الموظفون مؤهلين للانتقال إلى أدوار أكبر، فقد صنعت تناقضاً داخل النظام. ولهذا اتجهت بعض الشركات إلى جعل تطوير المواهب جزءاً صريحاً من تقييم المديرين؛ فـ Wipro تقيّم مديريها بمدى مشاركة فرقهم في برامج التدريب المتاحة، وAmazon تبني ترقية القادة على تقييم أداء يتضمن سؤالاً مباشراً: كيف طوّرت فريقك؟

وقد تناولت في مقال سابق ضمن سلسلة القيادة بالقيم كيف يتحول احتكار المعرفة إلى عملة قوة داخلية عندما تكافئ المؤسسة الاعتماد بدل البناء. واحتكار المواهب هو الوجه الآخر للظاهرة نفسها: في الأولى نحتفظ بما نعرفه، وفي الثانية نحتفظ بمن يعرف. والجذر واحد في الحالتين، وهو نظام حوافز يكافئ المدير على ما يمتلكه لا على ما يبنيه.

وهنا أعتقد أن هناك سؤالاً يستحق أن يُطرح على كل قائد: هل نقيس المدير على قدرته على الاحتفاظ بأفضل الأشخاص حوله؟ أم على قدرته على جعل أفضل الأشخاص الذين عملوا معه أكثر قدرة مما كانوا عليه قبل أن يديرهم؟

الفرق بين السؤالين كبير. الأول يبني ممالك داخلية. والثاني يبني مؤسسة.

كيف نطلب من الموظف أن يستعد للمستقبل في وقته المتبقي؟

هناك تناقض آخر يتكرر داخل المؤسسات. نقول للموظف إن عليه أن يستعد للمستقبل، ثم نطلب منه أن يفعل ذلك بعد أن ينتهي من مسؤوليات الحاضر. يعمل يومه كاملاً، يحضر الاجتماعات، يحقق أهدافه، يحل مشكلات الفريق، ثم نضع أمامه مجموعة من الدورات ونقول له إن “التعلم المستمر جزء من ثقافتنا”.

لكن إعادة بناء المهارات الحقيقية تحتاج إلى وقت، وإلى مساحة ذهنية، وفي كثير من الأحيان إلى ممارسة العمل الجديد لا مجرد دراسة معلومات عنه. فبعض أهم القدرات لا نتعلمها من خلال مشاهدة المحتوى فقط؛ نتعلم اتخاذ القرار من خلال اتخاذ قرارات حقيقية، ونتعلم الإدارة بممارسة الإدارة، ونتعلم العمل مع الذكاء الاصطناعي عندما نصمم تدفق عمل (Workflow) حقيقياً ونرى أين ينجح وأين يفشل وأين يحتاج إلى تدخل الإنسان.

وهذا ما تقوله البيانات أيضاً. ففي مسح أجرته BCG عام 2021م، قال 65% من 209 آلاف عامل مشارك إنهم يفضلون التعلم أثناء العمل. ويؤكد الاتجاه نفسه ما رصدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إصدار 2026م: 65% من الكبار يشاركون في تعلم غير منظّم يجري في سياق العمل والحياة، مقابل 37% في تعلم غير رسمي، و8% فقط في تعليم رسمي. أي أن التعلم الحقيقي يحدث في مجرى العمل، بينما تصر كثير من المؤسسات على قياسه في القاعة.

لهذا تعتمد بعض المؤسسات على أساليب مثل الملازمة المهنية (Shadowing)، والتدريب الداخلي، والتناوب بين الأدوار، والتجربة الفعلية داخل الوظيفة. وبعضها ذهب أبعد من ذلك؛ Vodafone تخصص أربع مرات في السنة أياماً يتفرغ فيها الموظفون للتعلم والتطوير الشخصي، وBosch عبر برنامج Mission to Move تغطي تكاليف الدراسة ووقت التعلم بما يصل إلى يومين أسبوعياً لعام كامل، وتمنح المشاركين إجازات قبل الاختبارات للاستعداد لها. أما Iberdrola، حين احتاجت إلى إعادة تأهيل 3,300 موظف في أدوار تُحتسب بالساعة ضمن تحولها الرقمي، فقد عملت مع مديري الخطوط الأمامية حتى لا تتعطل العمليات، واحتسبت كل ساعات التدريب ساعات عمل مدفوعة.

وهذا في رأيي يرسل رسالة ثقافية أقوى من عشرات الشعارات. فإذا قالت الشركة إن مهارة معينة ضرورية لمستقبلها، فيجب أن يظهر ذلك في طريقة تخصيص الوقت والميزانية، لا في الرسائل الداخلية فقط.

هل يقاوم الموظف التغيير فعلاً، أم يجهل إلى أين نطلب منه الذهاب؟

من السهل أن نفسر مقاومة بعض الموظفين للتغيير بأنها خوف من التعلم أو تمسك بما اعتادوا عليه، لكن الأمر من وجهة نظر الموظف ليس قراراً بسيطاً.

الموظف يعرف وظيفته الحالية، ويعرف كيف ينجح فيها، وكيف يقاس أداؤه، وأين يقف مقارنة بزملائه. ثم تطلب منه المؤسسة أن يستثمر وقتاً وجهداً كبيرين في تعلم مجال جديد، ربما لا يعرف إن كان سينجح فيه أصلاً، ولا يعرف بالضرورة ما الفرصة التي تنتظره في نهاية الطريق. هنا يصبح التردد مفهوماً.

والبيانات تكشف مفارقة أعمق: تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نسبة ضئيلة فقط من العاملين تشارك في برامج التدريب المعتادة، وأن المشاركين فيها غالباً هم الأقل حاجة إليها. ففي تقرير 2019م، بلغت الفجوة في المشاركة نحو 40 نقطة مئوية بين الفئات، إذ شارك 35% من فئة مقابل 57% من أخرى. أي أن التدريب في كثير من المؤسسات يذهب إلى من يحتاجه أقل.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست أن الناس يرفضون التغيير. ففي مسح عالمي أجرته BCG شمل نحو 209 آلاف عامل في 190 دولة، أبدى 68% منهم استعدادهم لإعادة التأهيل، بينما رفضه في أي ظرف 4% فقط. والاستنتاج المهم للقيادة أن الاستعداد موجود فعلاً، وأن المشكلة في الغالب ليست في رغبة الناس، بل في وضوح ما نطلبه منهم.

فاستعداد الموظف يزداد عندما يصبح الطريق واضحاً. ما الدور الذي يمكن أن أنتقل إليه؟ ما المهارات التي أحتاجها؟ كم سيستغرق ذلك؟ ما الدعم الذي سأحصل عليه؟ وهل هناك فرصة حقيقية في نهاية البرنامج؟

لهذا فإن أحد الأخطاء الشائعة هو تصميم مسار تعلم (Learning Path) دون تصميم مسار وظيفي (Career Path). لا يكفي أن تقول للموظف ماذا سيتعلم، بل يحتاج أيضاً إلى أن يعرف ماذا يمكن أن يصبح بعد أن يتعلمه.

ما شكل المؤسسة التي تحاول بناءها قبل أن تبني برنامج التدريب؟

وهنا نصل إلى الجزء الذي يجعل هذه القضية استراتيجية أكثر من كونها تعليمية. لا تستطيع إعادة تأهيل الموظفين للمستقبل إذا لم تكن لديك صورة واضحة نسبياً عن القدرات التي تحتاجها المؤسسة في ذلك المستقبل، ولهذا تلجأ بعض الشركات إلى بناء ما يسمى تصنيف المهارات (Skill Taxonomy)، أي خريطة تفصيلية للمهارات والقدرات المطلوبة داخل الوظائف المختلفة.

ولم يعد بناء هذه الخريطة من الصفر هو الخيار السائد؛ فـ HSBC تبنّت التصنيف الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي وعدّلته قليلاً لتضيف مهارات خاصة بأجزاء من أعمالها، وSAP التي كانت تحتفظ بتصنيف داخلي يضم سبعة آلاف مهارة انتقلت إلى العمل مع مزود خارجي يحدّث قاعدة المهارات باستمرار، أما Allianz فتترجم نمو الأعمال المتوقع إلى طلب على المواهب ضمن دورة التخطيط السنوية، آخذة في الحسبان أثر الرقمنة على القوى العاملة.

لكن إعداد الخريطة ليس التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي هو ربط هذه الخريطة بالاستراتيجية.

إذا كانت الشركة تعتقد أن جزءاً كبيراً من خدمة العملاء سيصبح مؤتمتاً، فما الذي سيصبح أكثر أهمية في الموظف البشري؟ وإذا أصبحت الأدوات قادرة على إنتاج التحليل الأولي بسرعة، فهل نحتاج من المحلل القادم أن يكون أسرع في كتابة التقرير، أم أفضل في التحقق من الافتراضات وفهم السياق وشرح المخاطر للإدارة؟ وإذا بدأ وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) في تنفيذ أجزاء من العمليات، فمن سيصمم العلاقة بين الإنسان والوكيل؟ ومن سيحدد متى يتصرف النظام بشكل مستقل؟ ومن يملك حق التدخل؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تصبح النتيجة غير واضحة؟

هذه ليست أسئلة تدريب. هذه أسئلة تصميم مؤسسة.

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الموظف المتميز؟

لسنوات طويلة ارتبطت الخبرة جزئياً بقدرة الشخص على إنتاج قدر كبير من العمل لأنه قام بالمهمة مرات كثيرة، وكلما زادت خبرته أصبح أسرع في كتابة التقرير، أو إعداد التحليل، أو بناء النموذج، أو تنفيذ المهمة.

لكن ماذا يحدث عندما تصبح التقنية قادرة على إنتاج جزء كبير من هذا الناتج الأولي خلال ثوانٍ؟ عندها تبدأ القيمة في التحرك إلى مكان آخر. تصبح أقل ارتباطاً بإنتاج الإجابة، وأكثر ارتباطاً بفهم ما إذا كانت الإجابة صحيحة أصلاً. أقل ارتباطاً بتنفيذ المهمة خطوة بخطوة، وأكثر ارتباطاً بتحديد أي مهمة تستحق التنفيذ. أقل ارتباطاً بجمع المعلومات، وأكثر ارتباطاً بفهم السياق، واكتشاف الخطأ، وموازنة المخاطر، وربط أجزاء المشكلة، واتخاذ القرار عندما لا تكون الإجابة واضحة.

وهذا يعني أن معايير التوظيف والترقية نفسها قد تحتاج إلى إعادة نظر. ففي بيئة كانت الوظائف فيها مستقرة نسبياً، كان منطق التوظيف بسيطاً: أحضر شخصاً سبق أن أدى هذا العمل. لكن عندما يصبح العمل نفسه سريع التغير، قد يكون السؤال الأكثر أهمية: من يستطيع تعلم العمل الذي لم نعرف بعد أننا سنحتاجه؟

عندها لا تصبح مرونة التعلم (Learning Agility) والفضول والحكم المهني والقدرة على التكيف مجرد صفات مرغوبة في الموظف، بل تصبح جزءاً من البنية الاقتصادية للمواهب داخل الشركة.

هل الشركة الأكثر استعداداً هي التي تملك أكبر مكتبة دورات؟

هناك تصور ضمني بأن المؤسسة الجيدة في تطوير المواهب هي التي تمتلك أكاديمية ضخمة أو آلاف المواد التدريبية، لكن ربما تكون القدرة الأهم في المستقبل مختلفة تماماً: أن تعرف المؤسسة ما الذي يستطيع موظفوها أن يصبحوا عليه، لا فقط ما الوظائف التي يشغلونها اليوم.

من يمتلك مهارات قريبة من القدرات الجديدة التي نحتاجها؟ من يستطيع الانتقال من وظيفة إلى أخرى؟ ما المهارات المشتركة بين الدور الحالي والدور القادم؟ وأين يمكن أن نملأ فجوة داخلية من خلال إعادة تأهيل شخص يعرف الشركة والعملاء والثقافة، بدلاً من البحث دائماً عن شخص جديد في السوق؟

وهذا ما تفعله شركات عدة بطرق مختلفة. Novartis أنشأت سوقاً داخلياً للمواهب مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يتنبأ بالفرص ويطابقها مع مهارات الموظفين وطموحاتهم ويعرض عليهم الأدوار والمشروعات المناسبة، وVodafone وضعت هدفاً لتلبية 40% من احتياجها من مطوري البرمجيات من داخل المؤسسة، وAmazon عبر جامعتها لتعلم الآلة مكّنت آلاف الموظفين ممن لا خبرة سابقة لهم في المجال من التحول إلى متخصصين فيه، كما تتيح عبر برنامج Career Choice مسارات تعليمية تمتد من الشهادات المهنية إلى الدرجات الجامعية وتغطي تكاليفها مقدماً، وهو ما ساعدها على تجاوز 130 ألف مشارك.

ما يجمع هذه الأمثلة هو تحول في طريقة النظر إلى الإنسان داخل المؤسسة. فبدلاً من أن يكون الموظف مرتبطاً بصورة دائمة بمسمى وظيفي، تبدأ المؤسسة في رؤيته باعتباره مجموعة من القدرات والخبرات والسياقات التي يمكن إعادة تركيبها مع احتياجات جديدة.

لماذا يكون السؤال عن عدد الوظائف التي سيأخذها الذكاء الاصطناعي سؤالاً خاطئاً؟

أعتقد أن جزءاً كبيراً من النقاش العام ما زال عالقاً في هذا السؤال: كم وظيفة سيستبدلها الذكاء الاصطناعي؟ وكم شخصاً سيبقى؟

لكن بالنسبة للقيادة، هذا ليس بالضرورة السؤال الأكثر فائدة؛ فالأرقام ستتغير باستمرار، والتقنية ستتطور، وبعض الوظائف ستختفي، وأخرى ستتغير، وأخرى ستظهر. السؤال التنفيذي الأكثر أهمية هو: ما القدرات التي يجب أن تمتلكها شركتنا عندما تصبح بعض الأعمال الحالية أرخص وأسرع وأكثر أتمتة؟

ومن هذا السؤال تتفرع الأسئلة التي أعتقد أن كل قيادة يجب أن تبدأ في الإجابة عنها الآن:

  • ما الوظائف التي ستتغير حتى لو لم تختفِ؟
  • ما المهارات التي ستنخفض قيمتها، وما القدرات التي سترتفع قيمتها؟
  • من داخل المؤسسة يمكنه الانتقال إليها؟
  • هل نوفر له وقتاً حقيقياً للتعلم، أم نطلب منه التعلم في وقته المتبقي؟
  • هل نكافئ المدير على تطوير هذه الموهبة أم على الاحتفاظ بها داخل فريقه؟
  • وهل هناك أصلاً دور حقيقي ينتظر الموظف عندما ينهي البرنامج؟

إذا لم تكن الإجابات واضحة، فلن تحل المشكلة منصة تعلم أخرى؛ لأن المشكلة ليست في كمية المحتوى التدريبي المتاح، بل في أن المؤسسة لم تحسم بعد ما الذي تريد أن تصبح عليه.

هل الميزة القادمة في سرعة تبني التقنية أم في سرعة إعادة تشكيل المواهب؟

كلما أصبحت قدرات الذكاء الاصطناعي أكثر انتشاراً، ستصبح الأداة نفسها أقل قدرة على خلق ميزة تنافسية طويلة الأجل. سيحصل منافسوك على نماذج قريبة من النماذج التي تستخدمها، وسيصلون إلى الأدوات نفسها، وسيتعلمون كثيراً من حالات الاستخدام نفسها.

لكن المؤسسات لن تكون متساوية في قدرتها على إعادة تشكيل نفسها حول هذه الأدوات.

فشركة تستطيع تحويل موظف يملك عشر سنوات من المعرفة العميقة بالعميل إلى شخص يقود تدفق عمل جديداً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي قد تكون أقوى من شركة تستغني عن خبرته ثم تحاول توظيف متخصص تقني لا يعرف العميل ولا السوق. وشركة تستطيع إعادة تصميم دور كامل خلال ستة أشهر ستتحرك بصورة مختلفة عن شركة تحتاج ثلاث سنوات حتى تحدّث الوصف الوظيفي. وشركة يرى مديروها أن تطوير الأشخاص جزء من مسؤوليتهم القيادية ستكون أكثر مرونة من شركة تعتبر التعلم مهمة تقع في نهاية جدول أعمال الموارد البشرية.

ولهذا فإن إحدى أهم القدرات المؤسسية في السنوات القادمة لن تكون سرعة تبني التقنية وحدها، بل سرعة إعادة توزيع المعرفة والمهارات والأدوار عندما تتغير طبيعة العمل. فالشركة التي تتعلم استخدام الذكاء الاصطناعي أسرع ليست بالضرورة التي ستفوز، بل التي تستطيع إعادة تصميم نفسها حول ما أصبح قادراً على فعله.

والفكرة هنا ليست أن كل موظف يجب أن يتحول إلى متخصص في الذكاء الاصطناعي، ولا أن كل وظيفة يجب أن يعاد اختراعها بين ليلة وضحاها، لكنها تعني أن كل مؤسسة تحتاج إلى معرفة أين ستستخدم الذكاء الاصطناعي، وكيف سيغير العمل في هذه المنطقة، وما الذي يجب أن يصبح البشر أفضل فيه نتيجة لذلك. فالتحول الحقيقي لا يحدث عندما يتعلم الموظفون أداة جديدة، بل يحدث عندما تعيد الشركة التفكير في الوظائف، والمسؤوليات، والحوافز، ومسارات التعلم، والتنقل الداخلي، ومعايير النجاح حول واقع مختلف.

وأعيد وأكرر وأختم؛ ربما لا يكون السؤال الذي يجب أن تسأله القيادة في نهاية العام: كم أنفقنا على تدريب موظفينا؟ بل إن السؤال الأهم هو: هل نعرف فعلاً ما الذي نعيد تأهيلهم من أجله؟ لأن بناء مهارات جديدة من دون إعادة تصميم العمل قد يمنح المؤسسة موظفين أكثر تعليماً، لكنه لن يمنحها بالضرورة مؤسسة أكثر استعداداً للمستقبل.


كتبه أيمن حمدان

الثلاثاء ٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ الموافق ١٨ أغسطس ٢٠٢٦م


المراجع:

Strack, R., Kovács-Ondrejkovic, O., Baier, J., Antebi, P., Kavanagh, K., & López Gobernado, A. (2021, April 28). Decoding global reskilling and career paths. Boston Consulting Group.

Tamayo, J., Doumi, L., Goel, S., Kovács-Ondrejkovic, O., & Sadun, R. (2023). Reskilling in the age of AI. Harvard Business Review, 101(5), 56-65.

OECD. (2019). OECD employment outlook 2019: The future of work. OECD Publishing.

OECD. (2026). OECD employment outlook 2026: Geographic disparities in jobs and incomes. OECD Publishing.

شاركني رأيك بتعليق

مقالات مشابهة