لو أردت أن تجعل شركتك تعتمد على شخص واحد، فلن تحتاج إلى قرار رسمي بذلك. يكفي أن تترك المعرفة في رأسه، وأن تسمح للقرارات المهمة بأن تمر من خلاله وحده، وألا تسأل كثيراً عن كيفية نقل خبرته إلى الآخرين. ثم، في كل مرة تتعطل الأمور ويأتي هو لينقذ الموقف، امدحه لأنه “يعرف كل شيء”. بعد عدة سنوات، قد تظن أنك صنعت موظفاً استثنائياً، بينما تكون في الحقيقة قد صنعت نقطة فشل واحدة (Single Point of Failure) بشرية.
الخبير الاستثنائي ليس هو المشكلة
هذه ليست دعوة للتقليل من قيمة أصحاب الخبرة. المؤسسات تحتاج إلى أشخاص يعرفون أكثر، ويرون ما لا يراه الآخرون، ويستطيعون حل المشكلات التي يعجز عنها غيرهم. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يمتلك شخص معرفة استثنائية، وبين أن تصبح المؤسسة عاجزة عن العمل من دون هذه المعرفة. الأولى ميزة تنافسية. أما الثانية فهي مخاطرة مؤسسية.
والمشكلة في رأيي لا تبدأ من التوثيق أو الأنظمة. تبدأ قبل ذلك بكثير، من الثقافة التي تحدد ماذا يعني أن تكون مهماً داخل المؤسسة. إذا تعلم الموظف مع الوقت أن قيمته تأتي من امتلاك معلومات لا يعرفها الآخرون، فليس غريباً أن يصبح أقل حماساً لنقلها. وإذا اكتشف المدير أنه كلما احتاجه الفريق في القرارات اليومية زادت مكانته أمام الإدارة، فقد يتحول الاعتماد عليه من مشكلة يجب حلها إلى مصدر غير معلن للنفوذ.
حين تتحول المعرفة إلى عملة قوة
هنا تصبح المعرفة شيئاً مختلفاً. لا تعود أصلاً من أصول المؤسسة، بل تتحول تدريجياً إلى عملة قوة داخلية.
وهذه ليست مجرد ملاحظة سلوكية. فمفهوم إخفاء المعرفة (Knowledge Hiding) رسّخه Connelly وزملاؤه في دراسة نُشرت عام 2012 في Journal of Organizational Behavior، بوصفه حجباً متعمداً لمعرفة طلبها زميل، لا مجرد قصور في التوثيق. وفي دراسة تطبيقية على 314 مديراً نُشرت في Management Science Letters عام 2020، ظهر أثر سلبي دال لاحتكار المعرفة (Knowledge Hoarding) على أداء الابتكار داخل المؤسسة. والأمانة العلمية تقتضي الإشارة إلى أن الدراسة نفسها لم تجد أن الاحتكار يُضعف العلاقة بين عمليات إدارة المعرفة والابتكار، أي أن الضرر يقع على الابتكار مباشرة، لا عبر تعطيل أنظمة إدارة المعرفة وحدها.
لماذا لا تحل المنصات المشكلة؟
كثير من المؤسسات تحاول الإجابة عن هذا السؤال تقنياً. تنشئ قاعدة معرفة (Knowledge Base)، وتشتري منصة جديدة، وتطلب من الموظفين رفع المستندات، ثم تفاجأ بعد عدة أشهر أن أهم المعرفة ما زالت في الرسائل الخاصة والاجتماعات ورؤوس الأشخاص أنفسهم. السبب أن أفضل نظام لإدارة المعرفة لن ينجح إذا كانت الثقافة نفسها تقول للموظف إن مشاركة ما يعرفه قد تقلل من أهميته.
وهنا يدخل عامل الثقة. في الثقافة عالية الثقة، يستطيع الشخص أن يعلّم الآخرين دون أن يخشى أن يصبح أقل قيمة بعد أن يفعل ذلك. ويستطيع المدير أن يصنع بديلاً قوياً له دون أن يرى هذا البديل تهديداً. ويستطيع الخبير أن يشرح كيف وصل إلى قراره بدل أن يحتفظ بالمنطق لنفسه. أما في بيئة منخفضة الثقة، فمن السهل أن يظهر منطق مختلف: إذا كان ما أعرفه هو ما يجعل المؤسسة تحتاج إليّ، فلماذا أجعل الآخرين يعرفونه أيضاً؟
عند هذه النقطة، لا يعود احتكار المعرفة مجرد مشكلة سلوك فردي. يصبح استجابة منطقية لنظام حوافز وثقافة صنعتها القيادة، ربما دون أن تقصد. وهذا يفسر لماذا لا تُحل المشكلة بإضافة منصة أخرى فقط، لأنها ترتبط بالطريقة التي تمنح بها المؤسسة المكانة، والترقية، والاعتراف، والثقة.
المدير الذي يمر كل شيء من خلاله
هناك مدير يبني قيمته بأن يجعل كل شيء يمر من خلاله، وهناك مدير يبني قيمته بأن يجعل فريقه قادراً على اتخاذ المزيد من القرارات بدونه. الأول يبدو مهماً كل يوم. الثاني يبني مؤسسة أهم منه.
والفرق بين الاثنين لا يظهر دائماً في النتائج قصيرة الأجل. فالمدير المركزي قد يكون سريعاً جداً، يعرف العملاء، والمنتج، وتاريخ الشركة، ويملك الإجابة في كل اجتماع، ولذلك قد يبدو في البداية أكثر كفاءة من المدير الذي يقضي وقته في بناء الآخرين. لكن مع نمو الشركة تبدأ التكلفة في الظهور. يزداد عدد القرارات بينما تبقى القدرة على اتخاذها متمركزة في شخص واحد. يبدأ الفريق في الانتظار بدل المبادرة. يسأل الناس “ماذا يريد فلان؟” بدل أن يسألوا “ما القرار الصحيح؟”. وتتحول الخبرة التي كانت تسرّع العمل إلى عنق زجاجة يبطئه.
ثم يأتي الاختبار الحقيقي. يأخذ هذا الشخص إجازة، أو ينتقل إلى دور آخر، أو يغادر الشركة. وفجأة نكتشف أن ما كنا نسميه “خبرة مؤسسية” كان في الحقيقة ذاكرة شخصية مستأجرة.
الخلافة الحقيقية: ما الذي سيغادر معه؟
وهذه النقطة أصبحت أكثر إلحاحاً مع تصاعد الحديث عن تخطيط الخلافة القيادية (Succession Planning). ففي مقال نشرته IMD في أبريل 2026 حول انتقال القيادة في UBS، يشدد البروفيسور مايكل واتكينز على أن تخطيط التسليم يجب أن يوثق ليس المسؤوليات فحسب، بل المعرفة الضمنية المتراكمة: العلاقات، والذاكرة المؤسسية، والقواعد غير المكتوبة التي تحدد كيف تُتخذ القرارات فعلاً. وتقدّر IMD كلفة التخطيط غير الفعال للخلافة بنحو تريليون دولار سنوياً من القيمة المفقودة عالمياً، مع انخفاض أداء الفريق بنحو 15% عند فشل الانتقال.
وهذا يغير السؤال من “من سيحل محل هذا المدير إذا غادر؟” إلى سؤال أصعب بكثير: ما الذي سيغادر معه؟
هل ستغادر معه علاقات العملاء؟ هل سيغادر منطق قرارات السنوات الماضية؟ هل سيغادر فهم السوق؟ هل سيغادر تاريخ الأخطاء التي تعلمت منها الشركة؟ وهل سيحتاج خليفته إلى إعادة اكتشاف أشياء دفعت المؤسسة ثمن تعلمها بالفعل؟ لأن الخلافة الحقيقية ليست نقل المسمى الوظيفي من اسم إلى اسم، بل نقل القدرة المؤسسية.
وهنا تظهر مشكلة أخرى كثيراً ما نتجاهلها. التوثيق الجيد لا يعني أن نحتفظ بالنتيجة فقط، بل أن نحتفظ أيضاً بمنطق القرار. من السهل أن تجد في النظام أن الشركة رفضت صفقة معينة قبل ثلاث سنوات. الأصعب أن تعرف لماذا رفضتها، وما المخاطر التي كانت موجودة، وما البدائل التي نوقشت، وما الافتراضات التي بُني عليها القرار، وما الذي تغير منذ ذلك الوقت. هذه المعرفة غالباً لا تعيش في العرض التقديمي النهائي، بل في الأشخاص الذين كانوا في الغرفة.
ولهذا فإن المؤسسة التي تحفظ “ماذا قررنا؟” ولا تحفظ “لماذا قررنا؟” لا تمتلك ذاكرة مؤسسية كاملة. هي تحتفظ بالنتائج وتفقد الحكم الذي صنعها.
وفي مقال سابق ضمن سلسلة اقتصاديات المؤسس، سألت: هل يمتلك مجلس الإدارة الاستقلالية والبيانات اللازمة لتحدي قصة النمو؟ واليوم أضيف إلى السؤال شرطاً سابقاً عليه: لن يستطيع المجلس ذلك أصلاً إذا كانت المعرفة التي يحتاجها للتحدي محتكرة في رأس واحد.
حتى التحول الحالي نحو الذكاء الاصطناعي يجعل هذه القضية أكثر وضوحاً. فالمؤسسات التي تريد استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) في مهام أكثر تعقيداً تحتاج أولاً إلى جعل عمليات اتخاذ القرار نفسها أكثر وضوحاً وصراحة، بدل أن تبقى ضمنية داخل خبرة أشخاص بعينهم. بمعنى آخر، المعرفة التي لم تستطع الشركة نقلها من موظف إلى موظف سيكون من الصعب أيضاً تحويلها إلى قدرة تستطيع التقنية دعمها أو توسيعها.
ما الذي تكافئه القيادة فعلاً؟
لكنني لا أحب التعبير الشائع الذي يقول إن الهدف هو أن تجعل “كل موظف قابلاً للاستبدال”. هذا تبسيط مخل. فالشخص المتميز يجب أن يكون من الصعب تعويضه، والخبرة العميقة والعلاقات والحكم المهني لا يمكن نسخها في ملف وتسليمها في آخر يوم عمل. لكن صعوبة استبدال الشخص شيء، وتوقف المؤسسة بدونه شيء آخر تماماً.
المؤسسة القوية تسمح للأفراد بأن يكونوا استثنائيين، دون أن تسمح للاستثنائية بأن تتحول إلى احتكار. وهذا يحتاج إلى تغيير ما تكافئه القيادة:
- إذا كان الموظف الذي يعمل حتى منتصف الليل لإصلاح الأزمة يحصل على تقدير أكبر باستمرار من الموظف الذي بنى عملية تمنع الأزمة من الحدوث، فلا تتفاجأ عندما تمتلئ الشركة بالأبطال وتبقى الأنظمة ضعيفة.
- وإذا كان المدير الذي يعرف كل شيء يحصل على نفوذ أكبر من المدير الذي يجعل فريقه يعرف أكثر، فلا تتفاجأ عندما يبدأ الناس في حماية معرفتهم.
- وإذا كانت الترقية تذهب لمن يجعل المؤسسة تحتاج إليه أكثر، بدلاً من أن تذهب لمن يجعل المؤسسة أقوى بوجوده، فقد بنت القيادة ثقافة الاعتماد بيديها.
الثقافة في النهاية لا تتشكل فقط مما تطلبه من الناس. تتشكل مما تجعل النجاح يبدو عليه أمامهم.
ولهذا يمكن أن تكون إحدى أفضل علامات القائد الناجح عكس ما نتصوره عادة. ليس عدد القرارات التي تحتاج إلى موافقته، بل عدد القرارات التي لم تعد تحتاج إليه لأنه بنى أشخاصاً قادرين على اتخاذها. وليس عدد المشكلات التي لا يحلها أحد غيره، بل عدد المشكلات التي علّم المؤسسة كيف تحلها دون انتظاره. وليس مقدار المعرفة التي جمعها خلال عشر سنوات، بل مقدار ما استطاع أن يحوله منها من خبرة شخصية إلى قدرة مؤسسية.
هذا هو الفرق بين القائد الذي يبني مكانته، والقائد الذي يبني مؤسسة.
وإذا أردت اختبار ثقافة شركتك فعلاً، فلا تبدأ بسؤال الموظفين إن كانوا يشاركون المعرفة. ابدأ بسؤال أصعب على القيادة نفسها: من الأشخاص الذين لا تستطيع الشركة اليوم العمل بصورة طبيعية من دونهم؟ ولماذا سمحنا بأن يصبح هذا الاعتماد جزءاً من ثقافتنا؟
لأن أفضل موظفيك يجب أن يجعلوا الشركة أقوى بوجودهم، لكن أعظمهم أثراً هم الذين يجعلون جزءاً من قوتهم يبقى فيها حتى بعد رحيلهم.
كتبه أيمن حمدان
٢٧ صفر ١٤٤٨هـ الموافق ١٠ أغسطس ٢٠٢٦م.
المراجع:
IMD، صفحة برنامج تخطيط الخلافة المؤسسية (Corporate Succession Planning)، 2026م.
Connelly, C. E., Zweig, D., Webster, J., & Trougakos, J. P. (2012). Knowledge hiding in organizations. Journal of Organizational Behavior, 33(1), 64-88.
Al-Abbadi, L., Alshawabkeh, R., & Abu Rumman, A. (2020). Knowledge management processes and innovation performance: The moderating effect of employees’ knowledge hoarding. Management Science Letters, 10(7), 1463-1472.
مايكل واتكينز (Michael D. Watkins)، “خلافة إرموتي” (The Ermotti Succession)، منشور في I by IMD، أبريل 2026م.



