أين يبني مؤسّسو الذكاء الاصطناعي حصونهم؟

20 يوليو، 2026

10:36 ص

شارك المقال على:

في عام 2023، كانت صناعة الذكاء الاصطناعي تحتاج 180 يوماً لتضيف مليار دولار إلى إيرادها التراكمي.

اليوم، تحتاج أقل من يومين.

هذا الرقم وحده يكفي لإسكات من يظنّ أن الذكاء الاصطناعي “فقاعة بلا طلب”.

فبحسب تقرير Exponential View الأخير، “The State of the AI Economy” (يونيو 2026)، تجاوزت إيرادات النظام التوليدي بوتيرة 175 مليار دولار سنوياً، وهو طلبٌ مُتحقَّق بالإيراد أكثر من أي تحوّل تقني سبقه.

ومع ذلك، لا يزال هذا الرقم يمثّل 0.42% فقط من الناتج المحلي الأمريكي (مقابل 9.4% لقطاع تقنية المعلومات ككل).

بعبارة أخرى: السوق حقيقي، لكنه ما زال في بدايته.

ومن يقرأ هذه المرحلة المبكّرة جيداً، يملك فرصة نادرة لاقتناص موقعه قبل أن يُغلق الباب.

لكنّ المؤسّس الذكي لا يتوقف عند الأرقام المبهرة، سؤاله أعمق: إذا كان الطلب حقيقياً إلى هذا الحد، فأين ستستقرّ القيمة حين يهدأ الغبار؟ ومن سيلتقطها فعلاً؟

الإجابة التي يقدّمها التقرير يجب أن تعيد تشكيل استراتيجية كل من يبني على الذكاء الاصطناعي. وخلاصتها: القيمة تهاجر بسرعة عبر “طبقات” الصناعة، ومن لا يفهم إلى أين تتجه، سيبني حصنه في المكان الخطأ.

أولاً: التوكنز تنمو 14 ضعفاً سنوياً، والرُّخص وقودها لا عدوّها

“التوكن” هو الوحدة التي تُقاس بها معالجة النماذج. تجاوزت أحجام التوكنز 30 كوادريليون توكن شهرياً، وتنمو 14 ضعفاً سنوياً. والأهم من الحجم: الطلب مرنٌ بشكل لافت.

كل خفض 10% في السعر يقابله ارتفاع 12–18% في الاستخدام، أي أن إجمالي الإنفاق يرتفع رغم انخفاض السعر.

المثال الأوضح: Google وحدها انتقلت من معالجة 9.7 تريليون توكن شهرياً إلى 480 تريليون (50 ضعفاً)، بينما هبط السعر 97%.

الدرس المستفاد هنا: لا تخشَ انخفاض أسعار النماذج؛ إنه محرّك نموّك لا تهديده. صمّم اقتصاديات شركتك على فرضية أن كلفة “الذكاء” ستنخفض نحو 10 أضعاف كل 12 شهراً، واجعل هذا الانخفاض يفتح لك أسواقاً وحالات استخدام كانت غير مجدية بالأمس.

ثانياً: التوكن وحدة فوترة، لا وحدة قيمة

هنا مفارقة يغفلها كثيرون، تُسعّر الصناعة اليوم بالتوكن، لكن التوكن لا يعكس القيمة الحقيقية التي يتلقّاها عميلك، تماماً كما لم تكن “الميغابايت” يوماً مقياساً لقيمة تطبيق على هاتفك.

يقترح التقرير مفهوماً أذكى وهو: “التوكنز المعدّلة بالجودة” (توكنز المخرَج مضروبة في قدرة النموذج). فما يهمّ ليس كمّ التوكنز، بل جودة المخرَج الذي يحلّ مشكلة العميل.

الدرس المستفاد هنا: لا تربط قيمتك، ولا تسعيرك، بعدد التوكنز.

اربطهما بالنتيجة: العقد المُراجَع، الكود المُنجَز، التذكرة المُغلقة، القرار المدعوم. من يسعّر بالنتيجة يملك هامشاً وحصانة؛ ومن يسعّر بالتوكن يتحوّل تدريجياً إلى سلعة.

ثالثاً: حافة اليوم هي سلعة الغد

أخطر فكرة في التقرير هي سرعة “التسليع”. “حافة” العام الماضي، أي أقوى النماذج، تصبح متاحة بأسعار زهيدة خلال أشهر عبر النماذج مفتوحة الأوزان (open-weight).

المختبرات تحتفظ بعلاوة سعرية فقط ما دامت على الحافة، وهذه العلاوة تتبخّر بسرعة.

الدليل هنا: بين مستخدمي منصة OpenRouter، هبطت حصة النماذج الثلاثة الكبرى مجتمعة (Google + OpenAI + Anthropic) من 72% إلى 33%.

الدرس المستفاد هنا: أي قدرة نموذجية تستأجرها اليوم لتميّزك، افترض أنها ستصبح رخيصة ومتاحة للجميع خلال 12 شهراً. لا تبنِ حصنك على “وصولٍ مبكّر لأقوى نموذج”؛ فحتى المختبرات العملاقة لا تحتفظ بهذا التميّز طويلاً.

رابعاً: أضخم بناءٍ رأسمالي في التاريخ… رهانٌ عليك أنت

خلف كل توكن رخيص يقف استثمار هائل.

التزم كبار مزوّدي البنية (hyperscalers) والسحابات الجديدة (neoclouds) بنحو تريليونَي دولار من الإنفاق الرأسمالي التراكمي حتى 2026، وعبء الإهلاك السنوي وحده يقترب من 111 مليار دولار.

والمفارقة أن إيرادات هذه البنية بالكاد تغطّي إهلاكها الجاري اليوم (بهامش لا يتجاوز 19% لدى مزوّدي البنية)، ناهيك عن سداد الفاتورة التراكمية.

ومعنى ذلك أن الصناعة كلها تراهن على أمرٍ واحد: أن تستمرّ الأسعار في الهبوط لتُحرّك حجماً كافياً من التوكنز يسدّد هذا البناء.

هنا الخبر السارّ للمؤسّس: أنت “جانب الطلب” الذي تتّكئ عليه هذه المعادلة كلها. كل تطبيق حقيقي يخلق استخداماً حقيقياً هو لبنة في سداد هذا البناء الهائل. البنية التحتية جاهزة ومتعطّشة للطلب، ومن يصنع طلباً حقيقياً ومستداماً يملك موقعاً تفاوضياً قوياً في هذه المنظومة.

إذن، أين تُلتقَط القيمة فعلاً؟

الاتجاه واضح، القيمة تصعد في “الطبقات” نحو التطبيقات والنماذج.

في عامٍ واحد، تراجعت حصة طبقة الاستضافة (Hosting) من الإيراد من 89% إلى 82%، بينما قفزت التطبيقات من 3% إلى 7%، والنماذج من 8% إلى 11%.

اقتصاديات الطبقات الدنيا نفسها تشرح السبب: تشغيل 1 جيجاواط من قدرة الذكاء الاصطناعي يكلّف نحو 7.9 مليار دولار سنوياً، والمنافسة تدفع أسعار التوكن نحو الكلفة. القيمة لا تبقى حيث تُحوَّل الطاقة إلى حوسبة، بل حيث تُحلّ مشكلة العميل.

والدليل ان المختبرات الكبرى نفسها، تحت ضغط التسليع، تنزل إلى طبقة التطبيقات وتبني حلولاً عمودية متخصّصة (مثل Claude for Legal وCodex for Legal). حين يبدأ مورّدك بمنافستك في السوق نفسه، فاعلم أن القيمة الحقيقية هناك، قرب العميل ومشكلته.

دفتر عملٍ للمؤسّس في المنطقة

  • لا تبنِ “غلافاً رقيقاً” (thin wrapper) حول نموذج عام؛ قوة تسعيرك ستُعتصَر بين مورّد يرفع السعر وعميل يجد بدائل مجانية.
  • ابنِ حاجزك على ما لا يُسلَّع: بيانات خاصة (proprietary data)، سير عمل عميق في مجال محدّد، ثقة تنظيمية وامتثال، وقنوات توزيع.
  • تخصّص عمودياً:”حلٌّ قانوني أو مالي للسوق السعودي بلغته وأنظمته وسياقه” أصعب بكثير على مختبر عالمي أن ينسخه من واجهة دردشة عامة.
  • سعّر بالنتيجة لا بالاستهلاك، وقِس قيمتك بأثرها المباشر على أعمال عميلك.
  • استغلّ مرونة الطلب: مع كل انخفاض في الكلفة، وسّع شريحتك المستهدَفة بدلاً من حصر منتجك في كبار العملاء.
  • افترض التسليع مسبقاً، واجعل بياناتك وعلاقاتك وتوزيعك، لا النموذج، مصدر تفوّقك المستدام.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة بلا طلب؛ التقرير يُثبت أنه مُتحقَّق بالإيراد أكثر من أي تحوّل تقني سبقه. لكنّ “أن يكون الطلب حقيقياً” شيء، و”أن تلتقط أنت جزءاً من هذه القيمة” شيء آخر تماماً.

القيمة تهاجر صعوداً نحو من يقترب من العميل ومشكلته الحقيقية.

والتوكنز الرخيصة ليست تهديداً للمؤسّس الذكي، بل أعظم فرصة لتوسيع سوقه، شرط أن يبني حصنه في المكان الصحيح.

سؤالي لكم: أين ترون القيمة تستقرّ خلال عامين، في التطبيقات العمودية، أم في البنية التحتية، أم في مكانٍ لم نتوقّعه بعد؟

شاركني رأيك بتعليق

مقالات مشابهة