في عام 1971 نشر الاقتصادي مارتن شوبك (Martin Shubik) وصف لعبة كان يجربها في الحفلات، وتنتهي غالباً بأن يدفع أذكى الحاضرين أضعاف قيمة ورقة دولار واحد. كلما راجعتها وجدت فيها شيئاً من الطريقة التي ندير بها شركاتنا حين تكبر.
القاعدة بسيطة. تُعرض ورقة دولار في مزاد، ويأخذها صاحب أعلى عرض. الفرق الوحيد عن أي مزاد آخر أن صاحب ثاني أعلى عرض يدفع هو أيضاً ما عرضه، ولا يأخذ شيئاً.
في البداية يزايد الناس بحماس لأن الدولار يبدو رخيصاً. ثم يصل أحدهم إلى 90 سنتاً ويرد عليه آخر بخمسة وتسعين. الأول الآن أمام خيارين: يتوقف ويخسر 90 سنتاً، أو يعرض دولاراً كاملاً ويخرج بلا خسارة. طبعاً يرفع. والثاني يفكر بالطريقة نفسها فيرفع إلى دولار وخمسة سنتات. ولا يوجد بعد ذلك مبلغ يوقف أحدهما، لأن الانسحاب في كل مرة أغلى من الاستمرار. وفي التجارب التي أُعيدت على هذه اللعبة بيعت الورقة بأضعاف قيمتها.
الذي يهمني في القصة أن أحداً لم يتصرف بغباء. كل قرار على حدة كان صحيحاً بحساب لحظته، والخسارة جاءت من قواعد اللعبة لا من اللاعبين.
المؤسس في المزاد
في السنوات الأولى للشركة يكون المؤسس أسرع من أي نظام، وهذا حقيقي لا وهم. المعلومة عنده، والعميل يعرفه بالاسم، وأقصر طريق لأي قرار أن يمر عليه. لذلك يتدخل في كل شيء، وتنجح الشركة بسبب هذا التدخل لا رغماً عنه.
المشكلة تبدأ عندما تكبر الشركة أضعافاً ويبقى الأسلوب كما هو. تتأخر القرارات، فيدخل المؤسس اجتماعات أكثر. تتراجع الجودة، فيراجع بنفسه. يختلف فريقان، فيحسم هو. كل خطوة منها تحل مشكلة اليوم، وكلها معاً تعلّم المؤسسة أن ترفع كل شيء إليه في المرة القادمة. وهو هنا يشبه المزايد الذي وصل إلى 90 سنتاً: ما دفعه من وقت وتدخل يجعل الانسحاب أصعب، فيدفع أكثر.
وهذا السلوك له اسم عند باحثي السلوك التنظيمي: تصعيد الالتزام (Escalation of Commitment). في دراسة نشرها باري ستو (Barry Staw) عام 1976، كان الأشخاص الذين اتخذوا قراراً استثمارياً متعثراً أكثر ميلاً إلى ضخ موارد إضافية فيه ممن لم يتخذوه. أي أن مسؤوليتنا عن القرار الأول هي ما يدفعنا إلى القرار الثاني، لا جدواه. والمؤسس مسؤول عن كل قرار في شركته تقريباً.
كتبت في مقال سابق عن الشركة التي يعرف فيها شخص واحد كل شيء. هذه هي الطريقة التي تصل بها الشركة إلى تلك الحالة: لا بقرار واحد، بل بسلسلة قرارات صغيرة كان كل واحد منها منطقياً.
الازدحام لا يُحل بالاجتهاد
الاقتصادي ويليام فيكري (William Vickrey)، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1996، قضى سنوات على مشكلة الازدحام المروري، وخلاصته أن أحداً في الزحام لا يخطئ. كل سائق خرج في الثامنة والربع اختار الوقت المعقول، ولأنه معقول اختاره الجميع. ومن يحاول التغلب على الزحام بالخروج أبكر أو بطريق فرعي ينجح أسابيع، ثم يلحق به الآخرون ويعود الزحام كما كان. لهذا لم يطلب فيكري من السائقين أن يجتهدوا، بل اقترح تسعير الازدحام (Congestion Pricing)، أي تغيير كلفة الطريق في وقت الذروة، فيتغير السلوك من نفسه.
واللافت أن فيكري طرح الفكرة أول مرة عام 1952 لتذاكر مترو نيويورك، واقترح رفع الأجرة في أوقات الذروة وخفضها في غيرها. ولم تطبق المدينة تسعير الازدحام على طرق مانهاتن إلا في يناير 2025، أي بعد أكثر من سبعين عاماً. تغيير قواعد اللعبة أبطأ وأصعب من مضاعفة الجهد داخلها، ولهذا يختار أكثرنا الجهد.
هذا هو الفرق بين الحلّين. حين تتباطأ الشركة نضيف اجتماعاً أسبوعياً، ثم تقريراً قبل الاجتماع، ثم مستوى اعتماد فوق التقرير. كل هذا اجتهاد داخل التصميم نفسه، ونتيجته زحام أكثر. أما الحل الذي يشبه حل فيكري فيبدأ من القواعد: من يملك هذا القرار كاملاً دون أن يرجع إلى أحد؟ ما الذي يجب ألا يصعد إلى المؤسس مهما حدث؟ وما الذي يجعل الفريقين يحلان خلافهما بينهما بدل رفعه؟
إن كنت تدير شركة تنمو وتشعر أنها تبطئ رغم أنك تعمل أكثر من أي وقت، فالسؤال الأول ليس كم ساعة تعمل، بل ما اللعبة التي تلعبها. الجهد الذي بنى الشركة في بدايتها قد يصبح هو ما يبطئها لاحقاً، وحين يحدث ذلك فإما أن نغير القواعد، أو نستمر في دفع الدولار أضعافاً.
كتبه أيمن حمدان
الثلاثاء ٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ، الموافق ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦م
المراجع:
Columbia University Department of Economics. (n.d.). William Vickrey (1914–1996). https://econ.columbia.edu/faculty/in-memoriam/william-vickrey-1914-1996/
Drèze, J. H. (1998). William S. Vickrey. In Biographical memoirs (Vol. 75). National Academies Press. https://doi.org/10.17226/9649
Shubik, M. (1971). The dollar auction game: A paradox in noncooperative behavior and escalation. Journal of Conflict Resolution, 15(1), 109–111. https://doi.org/10.1177/002200277101500111
Staw, B. M. (1976). Knee-deep in the big muddy: A study of escalating commitment to a chosen course of action. Organizational Behavior and Human Performance, 16(1), 27–44. https://doi.org/10.1016/0030-5073(76)90005-2
The Big Short. (2026, August 31). Why smart people stay broke: The hidden game theory rule nobody teaches you. Substack. https://youronlinebusiness.substack.com/p/why-smart-people-stay-broke-the-hidden
#قيادة_التحول #ريادة_الأعمال #نظرية_الألعاب #بناء_الشركات #القيادة_التنفيذية



