سلسلة: القيادة بالقيم
بعد خمس سنوات، هل تريد أن يتذكرك الناس بعنوان أطروحتك، أم بالأثر الذي تركته؟ بهذا افتتح الدكتور علي فينيك (Ali Fenwick) جلسته معنا في كلية (Hult International Business School) قبل أيام. كلنا اخترنا الثانية. فجاء ما هو أصعب: كيف؟البحث الذي يبقى في الدرج
علي أستاذ السلوك التنظيمي والابتكار في Hult، يعرفه ملايين المتابعين باسم “عالم النفس المعاصر” (Modern Day Psychologist)، وله كتاب “أعلام حمراء، أعلام خضراء” (Red Flags, Green Flags). أما نحن فطلاب دكتوراه أمضى كل منا سنوات على بحث واحد.
الطريق التقليدي أمام أي باحث واضح: اكتب الورقة، انشرها في مجلة محكّمة، وانتظر أن يجدها أحد. المشكلة في كلمة “انتظر”. النشر في مجلة جيدة قد يستغرق سنوات، وفي مجال التقنية قد تشيخ النتائج قبل أن تُطبع. علي اختصر التحوّل في جملة: كان شعار الجامعات “انشر أو اندثر” (Publish or Perish)، وصار “انشر وأوصِل” (Publish and Reach).
وهذا لا يخص الأكاديميين وحدهم. كم تنفيذياً أعرفه لديه عشرين سنة من التوسّع والتعثر، ولم يخرج منها سطر واحد إلى من يحتاجه؟ الخبرة التي لا تغادر غرفة الاجتماعات تشبه البحث الذي يبقى في الدرج.
الهوية التي تحميك قد تحبسك
أحد الزملاء، وهو تنفيذي رفيع في قطاع التقنية، قالها بوضوح: لن أنشر عن بحثي على إنستغرام (Instagram)، فصورتي في السوق لا تحتمل ذلك، ولينكدإن (LinkedIn) والمؤتمرات تكفي. ردّ علي لم يكن مواسياً: الهوية المهنية التي نحرص عليها هي نفسها التي تمنعنا من تجربة طرق جديدة، لأننا رسمنا لها سلوكاً محدداً ولا نخرج عنه.
ثم عرض خيارين جرّبهما بنفسه. الأول: اسم واحد على كل المنصات، كما يفعل عالم الأعصاب أندرو هوبرمان (Andrew Huberman) الذي يظهر بهويته الحقيقية في البودكاست والمحاضرة والمقابلة التلفزيونية. الثاني: شخصية منفصلة لكل منصة، وهو ما فعله علي حين أطلق اسم “عالم النفس المعاصر” على تيك توك (TikTok) لأنه لم يكن يعرف كيف سيؤثر أحد الاسمين في الآخر. واعترف بأنه يميل اليوم إلى الطريق الأول، وأنه سيتجه إليه.
أنا اخترت الطريق الأول منذ البداية: اسمي على كل ما أكتبه. والسبب عملي أكثر منه شجاعة، فالسوق عندنا صغيرة والناس تعرف بعضها، ولن يفصل أحد بين التنفيذي والباحث.
لعنة المعرفة
حين نتعمق في موضوع نفقد القدرة على تذكّر كيف كان يبدو قبل أن نعرفه. هذه “لعنة المعرفة” (Curse of Knowledge) التي وثّقها كاميرر ولوينستين وويبر (Camerer, Loewenstein & Weber, 1989)، وهي تفسّر لماذا يخاطب الخبير أقرانه وهو يظن أنه يكتب للجميع.
وصفة علي: القصة قبل البحث. لا أحد على لينكدإن يهتم بمعامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) في الاستبانة؛ الناس تريد أن تعرف ما الذي تغيّر وما الذي يخصها منه. وحين سأله أستاذ المقرر: هل كل أطروحة دكتوراه تصلح قصة؟ أجاب: نعم، لكن صاحبها لا يراها لأنه غارق في تفاصيلها. واستشهد بمهندس السكك الحديدية الياباني إيجي ناكاتسو (Eiji Nakatsu)، هاوي مراقبة الطيور، الذي صمّم مقدمة قطار الشينكانسن (Shinkansen) من الجيل 500 على شكل منقار الرفراف، فخفت دوي الأنفاق وانخفض استهلاك الطاقة. قطار خرج من هواية.
زميلة أخرى قالت إنها تكتب منشوراتها بحيث يفهمها خريج جديد. هنا توقف علي: نظن أن التبسيط ينتقص من مصداقيتنا، والصحيح عكسه، فمن يشرح المعقّد لغير المتخصص يثبت أنه فهمه.
صانع المحتوى المهني
الجزء الذي جعل بعضنا يتململ في مقعده: علي يرى أن على الباحث، والتنفيذي من باب أولى، أن يتعلم الحديث إلى الكاميرا، وأن هذا لم يعد خياراً. ولينكدإن تدفع بالفيديو أكثر فأكثر، وتقول إن منشورات الرؤساء التنفيذيين المصوّرة ارتفعت 68% خلال عامين. وفي يوليو أضافت زراً يتيح للمستخدم الإبلاغ عن أي منشور “يبدو محتوى ذكاء اصطناعي رديئاً” (AI Slop). وقراءتي لهذا الزر: الناس سئمت النصوص المصقولة الفارغة، وتريد الشخص الحقيقي بصوته ورأيه.
وقبل ذلك بأسابيع، روت مجلة إنك (Inc.) قصة صانعة محتوى أمريكية بدأت من الصفر في نوفمبر الماضي، وبنت جمهورها بفيديوهات تتحدث فيها مباشرة إلى الهاتف. ثم باعت برنامجاً يعلّم الناس “الثرثرة أمام الكاميرا” (Yapping) فحقّق 1.2 مليون دولار خلال 13 يوماً. الطلب على هذه المهارة حقيقي، والعرض قليل.
حتى الجهات التنظيمية دخلت على الخط. الصين تشترط منذ أكتوبر الماضي مؤهلاً موثقاً لمن ينشر محتوى في الطب والقانون والمال والتعليم. وهيئة الصحة بدبي (Dubai Health Authority) عمّمت مطلع هذا الشهر معاييرها للإعلان الطبي على وسائل التواصل، وشملت بها المؤثرين.
قراءة علي: التنظيم يضيّق على الهواة ويوسّع المساحة لصاحب المؤهل، وسيُطلب منه أن يتكلم.
كتبتُ في سلسلة إعادة تصميم المؤسسة أن الوظيفة تتغير أسرع من الموظف وأن التدريب وحده لن يكفي. وهذا واحد من التغيّرات التي لم يضعها أحد في الوصف الوظيفي بعد: التنفيذي الذي لا يستطيع أن يقول ما تفعله شركته في دقيقتين أمام كاميرا هاتف سيجد غيره يشرحها نيابة عنه.
نصيب الشركات
تقرير نشرته بلومبرغ لو (Bloomberg Law) في 3 سبتمبر يرصد كيف بدأت شركات مثل ستاربكس (Starbucks) وغاب (Gap) تستثمر في “الموظف المؤثر” (Employee Influencer) لترويج منتجاتها، بينما يحذّر محامو العمل من أسئلة لم تُحسم بعد: هل يُحسب التصوير والرد على التعليقات ساعات عمل مدفوعة؟ من يملك المحتوى والحساب؟ وماذا يحدث بعد المغادرة؟ هذه أسئلة تخص أي شركة سعودية اليوم، والسياسة التي تُكتب قبل أول فيديو يثير مشكلة أرخص من تلك التي تأتي بعده.
الفرص تأتي من حيث لا نخطط

قبل 14 عاماً أراد علي، وكان طالب دكتوراه، أن يتحدث في مؤتمر للموارد البشرية والقيادة في أبوظبي. اتصل بالمنظمين فقالوا: المتحدثون هنا يدفعون. لم يكن يملك المال، فعرض عليه المنظم صفقة: توزيع البطاقات صباحاً، ونقل الميكروفون بين المتحدثين طوال اليوم، مقابل 25 دقيقة له في الختام. قبل، ودفع تذكرته وفندقه، وحمل الميكروفون للجميع. وحين جاء دوره كان قد أعدّ عرضه جيداً فنجح، ثم غاب أحد المشاركين في الحلقة النقاشية فطُلب منه أن يحلّ مكانه. في القاعة كانت عميدة فرع هَلت في دبي آنذاك، فاستوقفته عند الباب وسألته إن كان يرغب في العمل معهم. علي يدرّس في Hult منذ 13 عاماً بسبب ميكروفون كان يحمله لغيره.
القصة الثانية: في آخر ليلة له في كيب تاون مطلع الجائحة، فضّل أن يصوّر مقطعاً عن سيكولوجية الشراء بدافع الهلع على أن يخرج للعشاء، فالتقطته وكالة علاقات عامة، ثم صحف، ثم قناة تلفزيونية أبقته ضيفاً منتظماً سنة كاملة. وخلاصته من القصتين: محرر المجلة القادم، أو منتج البرنامج، أو صانع السياسة، أو مدير التوظيف، قد يشاهدك الآن بطريقة لم تكن لتصل إليه بها في ورقة بحثية.
سؤالي له، وجوابه
طرحت عليه سؤالين. الأول: بحثي يقيّم أثر برامج الدعم الحكومي في الشركات الناشئة، وهو موضوع حساس في ثقافة لا تحب النقد. وجمهوري موزّع بين جهات رسمية ومؤسسين ومستثمرين، فكيف يتحوّل هذا إلى قصة؟ والثاني: كم يأخذ هذا كله من وقتك؟
عن الثاني أجاب بصراحة: كثيراً، وأحياناً فوق ما ينبغي. لكنه طوّر مع الوقت قاعدة: فكرة واحدة تُصاغ في خمسة قوالب، مقال ومنشور وفيديو قصير ومداخلة في مؤتمر ونقاش في قاعة الدرس. لا خمس أفكار في خمسة قوالب. ومنصة واحدة يجيدها قبل أن يتوسّع، ولطالب الدكتوراه ينصح بلينكدإن تحديداً. وحين يستقر النموذج يستعين بمن يحرّر له الفيديو. أما البودكاست فجرّبه ثلاثة مواسم، وكلّفه من المال والوقت أكثر مما أعاد عليه.
أما الأول فجوابه كان موزّعاً على الجلسة كلها: النتيجة الحساسة تُروى بوصفها مشاهدة. ما الذي توقعتُه ولم أجده؟ ما الذي فاجأني؟ ما الذي تعلمته في الطريق؟ ثم الاسم نفسه على كل منصة، والجرأة على أن يراني الناس وأنا أتعلم، قبل أن أنتهي.
السؤال الذي تغيّر
منذ نحو سنتين وأنا أكتب بشكل منتظم عن أشياء عشتها في العمل، وقرارات رأيتها تنجح أو تفشل، وأفكار أتعلمها وأنا ما زلت في الميدان. لذلك لم تغيّر هذه الجلسة قناعتي بأهمية النشر بقدر ما غيّرت السؤال الذي أضعه أمام نفسي وأنا أنشر.
في البداية كان السؤال غالباً: هل تستحق هذه الفكرة أن أكتب عنها؟ اليوم أصبح السؤال: هل ستصل هذه الفكرة إلى الشخص الذي يمكنه أن يستخدمها؟ وهذا فرق أكبر مما يبدو.
لأن الخبرة وحدها لا تصنع أثراً. والبحث وحده لا يصنع أثراً. وحتى الكتابة المستمرة لا تكفي إذا بقيت الفكرة حبيسة اللغة التي يفهمها أصحاب التخصص فقط.
ما أخذته من علي فينيك هو أن المرحلة التالية ليست أن أكتب أكثر، بل كيف أحوّل تجربة تنفيذية إلى درس يمكن لمؤسس أن يستخدمه. وكيف أخرج نتيجة من بحث أكاديمي إلى سؤال يمكن لقائد أن يضعه على طاولة الاجتماع. وكيف أشرح فكرة معقدة من دون أن أفقد دقتها.
بعد سنتين من الكتابة، أصبحت أرى أن الأثر يُقاس بما ينتقل من خبرتنا إلى قرار شخص آخر.
ولهذا سيبقى السؤال الذي بدأ به علي معي: بعد خمس سنوات، هل سيتذكر الناس ما كتبت… أم أن شيئاً مما كتبته غيّر طريقة تفكيرهم أو قراراً اتخذوه؟
كتبه أيمن حمدان



