كيف وصلت Gamma إلى 50 مليون دولار إيراداً سنوياً متكرراً (ARR) بثلاثين موظفاً؟ ثم ماذا حدث بعدها؟

20 يوليو، 2026

10:27 ص

شارك المقال على:

الرقم اللافت في قصة Gamma ليس 50 مليون دولار من الإيرادات السنوية المتكررة. الرقم الأهم هو: 30 موظفاً فقط.

في النموذج التقليدي للشركات الناشئة، كان نمو الإيرادات يقود تلقائياً إلى نمو الفريق. مزيد من المستخدمين يعني مزيداً من موظفي الدعم. مزيد من المنتجات يعني مزيداً من المهندسين،مزيد من الأسواق يعني فرق تسويق محلية، ومزيد من التمويل يعني موجة توظيف جديدة.

لكن Gamma وصلت في أبريل 2025 إلى 50 مليون دولار إيراداً سنوياً متكرراً بثلاثين موظفاً، وكانت مربحة منذ مطلع 2024، بل بقي في حسابها نقدٌ يفوق إجمالي ما جمعته من استثمارات (23 مليون دولار).

لم تبنِ الشركة فريقاً صغيراً لأنها لم تستطع التوظيف، بل لأنها أعادت تصميم الطريقة التي تعمل بها من الأساس. وهنا تكمن أهمية الحالة.

قصة Gamma ليست دليلاً بسيطاً على أن الذكاء الاصطناعي يستطيع استبدال الموظفين، إنها مثال على أن الشركة المبنية حول الذكاء الاصطناعي (AI-Native) تختلف تشغيلياً عن شركة تقليدية اشترت بعض أدواته.

قبل الذكاء الاصطناعي، لم تكن Gamma قصة نجاح واضحة

تأسست Gamma في 2020 على يد جرانت لي (Grant Lee) وزميلين سابقين له في شركة Optimizely، لإعادة التفكير في طريقة إنشاء العروض ومشاركة الأفكار.

لكن بحلول نهاية 2022، كان الفريق المكوّن من اثني عشر شخصاً يواجه مشكلة حقيقية: وصل المنتج إلى قرابة 60 ألف مستخدم، إلا أن معظمهم كانوا يستخدمونه مرة واحدة فقط. كان هناك اهتمام، لكنه لم يتحول إلى عادة، ولم يتبقَّ من السيولة إلا ما يكفي لأكثر قليلاً من سنة.

ومع ظهور الموجة الجديدة من الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يدفع الفريق إلى إضافة زر صغير لإنشاء النصوص داخل المنتج. قرر المؤسسون إعادة بناء تجربة الاستخدام حول الذكاء الاصطناعي من البداية. لم تعد المشكلة: كيف نصنع نسخة أفضل من PowerPoint؟ بل: كيف نزيل رهبة الصفحة البيضاء عمّن يحتاج إلى إعداد عرض مهم ولا يعرف من أين يبدأ؟

أطلقت Gamma منتجها المدعوم بالذكاء الاصطناعي في مارس 2023. وخلال ثلاثة أشهر وصل عدد المستخدمين إلى ثلاثة ملايين، ثم بلغ 11 مليوناً بنهاية العام.

التحول لم يكن تقنياً فقط. كان إعادة تعريف للمشكلة، وللقيمة التي يحصل عليها العميل، وللطريقة التي ستبني بها الشركة نفسها.

القرار الأول: لم تحاول Gamma بناء كل شيء

أحد القرارات الأكثر أهمية كان ما اختارت الشركة ألا تبنيه.

فبدل إنفاق رأس المال وتوظيف فريق ضخم لتطوير نموذجها التأسيسي الخاص، تعاملت Gamma مع النماذج الكبرى كموردين. شغّلت منصتها فوق أكثر من عشرين نموذجاً من شركات مثل Anthropic وOpenAI وGoogle، واختارت النموذج المناسب لكل خطوة بحسب الجودة والسرعة والتكلفة.

قد يستخدم النظام نموذجاً للتخطيط، وآخر للكتابة، وثالثاً للصور، ثم ينسّق بينها عبر طبقة تشغيل داخلية. امتلكت Gamma تجربة المستخدم، وآلية التنسيق، ومسارات التقييم، وبيانات التفاعل، لكنها لم تحاول امتلاك كل طبقة تقنية تحت المنتج.

هذا الاختيار أبقى الفريق الهندسي مركّزاً على تحويل قدرات النماذج إلى منتج يفهمه العميل، بدل استنزاف موارده في منافسة شركات تنفق مليارات على تطوير النماذج.

وهذا درس مهم للمؤسسين: ليست القوة في أن تبني كل شيء داخلياً، بل في أن تعرف أي طبقة تمثل ميزتك التنافسية فعلاً. الشركات الصغيرة تضيع أحياناً لأنها تبني ما تستطيع شراءه، ثم لا يتبقى لها ما يكفي لبناء ما لا يستطيع المنافس نسخه.

القرار الثاني: المنتج نفسه أصبح قناة النمو

اعتمدت Gamma نموذج الاشتراك المجاني المتدرّج (Freemium)، وكانت العروض المجانية تحمل علامة “Made with Gamma”. ولأن العروض بطبيعتها تُشارَك مع الآخرين، أصبح كل مستخدم ينشر عمله قناة توزيع محتملة.

منتج أفضل يعني عرضاً أجمل، والعرض الأجمل يزيد احتمالية مشاركته، والمشاركة تجلب مستخدمين جدداً،والمستخدمون الجدد ينتجون مزيداً من البيانات والتغذية الراجعة.

بحلول 2025، كان لدى Gamma أكثر من 500 ألف مستخدم مدفوع، بينما جاء أكثر من نصف الزيارات الواردة من عمليات البحث التي تحمل اسم العلامة نفسها، مع اعتماد محدود نسبياً على الإنفاق التسويقي المدفوع. هذا ما سمح لفريق التسويق بأن يتكون من شخصين فقط.

لكن الذكاء الاصطناعي لم يعوّض فريقاً تسويقياً تقليدياً فحسب، بل إن نمو المنتج نفسه قلّل الحاجة إلى ذلك الفريق من البداية.

وهذه نقطة يخطئ فيها كثير من المؤسسين. لا يمكنك بناء منتج يعتمد بالكامل على المبيعات والإعلانات، ثم تتوقع أن تقلّص فريق النمو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. الرافعة الكبرى لا تأتي من استخدام الذكاء الاصطناعي داخل التسويق، بل من تصميم منتج يحمل التوزيع داخله.

القرار الثالث: دمج الوظائف بدل زيادة نقاط التسليم

في كثير من الشركات، يكتب مدير المنتج المتطلبات، ثم يرسلها إلى المصمم، ثم ينقل المصمم الملف إلى المهندس، ثم تعود الملاحظات في سلسلة من الاجتماعات والتعديلات والموافقات. وكل انتقال يستهلك وقتاً ويخلق احتمالاً لفقدان السياق.

في Gamma، دُمج المنتج والتصميم داخل فريق واحد مكوّن من 11 شخصاً. المهندسون يفهمون المنتج، ومديرو المنتج قادرون على بناء النماذج الأولية، والمصممون يستخدمون أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لصناعة نماذج أكثر واقعية. لم تعد الحدود الوظيفية جامدة.

لم يكن الهدف أن يقوم كل شخص بكل شيء، بل أن يتمكن الفريق من الانتقال من الفكرة إلى نموذج قابل للاختبار بأقل قدر ممكن من التنسيق. وهذا هو الفرق بين رفع إنتاجية الفرد ورفع إنتاجية النظام.

قد تجعل أداة ذكاء اصطناعي المصمم أسرع بنسبة 30%. لكن إذا ظل عمله ينتظر ثلاثة اجتماعات وموافقتين وتسليماً بين أربع وظائف، فلن تتحول سرعته الفردية إلى سرعة مؤسسية. Gamma لم تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع كل قسم منفصل، بل لتقليل المسافة بين الأقسام.

موظفان لدعم أكثر من 50 مليون مستخدم

بحلول 2025، كان مستخدمو Gamma ينشئون أكثر من 700 ألف عمل يومياً، ووصل إجمالي قاعدة المستخدمين إلى أكثر من 50 مليون مستخدم عالمياً. ومع ذلك، كان فريق دعم العملاء الداخلي يتكون من شخصين فقط، ويدير أكثر من 32 ألف طلب دعم شهرياً.

استطاع الفريق التعامل مع هذا الحجم لأن الوكيل المدعوم بالذكاء الاصطناعي كان يتولى نحو 86% من طلبات الدعم الواردة، إضافة إلى تقديم الخدمة بلغات متعددة دون بناء فرق محلية في كل سوق.

لكن الجزء الأكثر أهمية ليس نسبة 86%.

الجزء الأهم أن الفريق كان يكتب محتوى معرفياً مخصصاً للوكيل، ويحدّث مركز المساعدة الذي يعتمد عليه باستمرار،لم يقل الفريق “الوكيل ذكي وسيعرف الإجابة”، بل بنى البنية المعرفية التي تسمح له بأن يجيب جيداً.

وهذا يكشف حقيقة تغفل عنها كثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي:( الوكيل) لا يلغي الحاجة إلى المعرفة المنظمة، بل يجعل غيابها أكثر وضوحاً. يمكن لشركة أن تشتري أفضل نظام لدعم العملاء، لكن إن كانت السياسات موزّعة بين الرسائل، والإجابات القديمة متعارضة، ومسؤولية تحديث المعرفة غير واضحة، فسوف تعمل الأتمتة على توسيع الفوضى بدل حلّها.

التوظيف تغيّر أيضاً

حين تستطيع الأدوات تنفيذ نسبة أكبر من العمل الروتيني، لا تصبح كل وظيفة أقل قيمة، بل يتغير نوع الموظف الذي يصنع الفرق.

ركزت Gamma على توظيف أصحاب الخبرة القادرين على العمل كمنفّذين أقوياء، لا مديرين انفصلوا عن العمل الذي يديرونه.

كانت تبحث عمّا تسميه اللاعب المدرّب (Player-Coach): شخص يقود الآخرين، لكنه ما زال قادراً على الدخول إلى العمل وتنفيذه عند الحاجة.

كما فضّلت أصحاب القدرات العامة الواسعة الذين ينتقلون بين المشكلات ويتعلمون بسرعة، بدل الاعتماد الكامل على متخصصين يعمل كل منهم داخل حدود ضيقة.

هذا لا يعني نهاية التخصص: لكن في الفريق الصغير، كل تخصص شديد الضيق قد يخلق نقطة انتظار أو نقطة فشل.

أما الموظف عالي المهارات، فلا تزيد قيمته فقط بسبب حجم ما ينتجه، بل بسبب عدد المشكلات التي يستطيع تحريكها دون الحاجة إلى بناء طبقة إدارية كاملة حوله.

الفريق الصغير لم يكن الهدف

من السهل أن نقرأ قصة Gamma بطريقة خاطئة، فيظن بعض المؤسسين أن الدرس هو: لا توظفوا، أو أن الشركة الناشئة الأفضل هي التي تحقق أكبر إيراد بأقل عدد ممكن من الموظفين.

لان تقليل عدد الموظفين ليس استراتيجية في حد ذاته. قد يكون الفريق صغيراً لأنه منضبط، وقد يكون صغيراً لأنه ضعيف ولا يملك القدرات اللازمة للتوسع.

ما جعل نموذج Gamma ممكناً هو اجتماع عدة عناصر: منتج سريع الوصول إلى القيمة، وتوزيع مدمج داخل الاستخدام، واعتماد انتقائي على نماذج خارجية، وفرق متعددة القدرات، ومعرفة منظمة للأتمتة، واختبارات مستمرة للجودة والتكلفة وسلوك العملاء.

الفريق الصغير كان نتيجة لنظام التشغيل، لا بديلاً عنه.

ثم جاء الاختبار الحقيقي

بعد الوصول إلى هذا الحجم، واجهت Gamma قراراً لا يقل أهمية عن قراراتها الأولى.

كانت المنافسة تزداد من شركات ناشئة ومن منصات مثل Canva وFigma ومزودي النماذج أنفسهم. وكان أمامها أكثر من اتجاه: التوسع من العروض إلى المستندات والمواقع والمحتوى الاجتماعي، أو الدخول بقوة إلى سوق المؤسسات، أو إطلاق واجهة برمجية (API)، أو جمع تمويل جديد وتسريع التوظيف، حتى إن مستثمراً عرض ضخ 50 مليون دولار في الشركة.

والسؤال: هل تستمر في نموذجها الصغير المربح؟ أم تستخدم التمويل للتوسع قبل أن يدخل المنافسون المساحة نفسها؟

الجواب جاء في نوفمبر 2025، وهو أهمّ ما في القصة: أعلنت Gamma جولة تمويل من الفئة (ب) بقيادة a16z عند تقييم 2.1 مليار دولار، مع وصولها إلى 100 مليون دولار إيراداً سنوياً متكرراً، بربحية، وبفريق من 50 شخصاً فقط. أي مليونا دولار إيراداً لكل موظف.

ضاعفت الإيراد، وضاعفت التقييم، بينما زاد الفريق من 30 إلى 50 فقط. أخذت التمويل ولم تفقد الانضباط.

وهنا الدرس الأدق: الانضباط لا يعني رفض التوظيف أو التمويل. يعني ألا تسمح للتمويل بأن يعيدك تلقائياً إلى النموذج القديم: اجمع أكثر، ووظّف أسرع، وأضف طبقات قبل أن تتأكد من الحاجة إليها.

ومن باب الإنصاف، لم يكن كل شيء مثالياً. فقد صرّح جرانت لي لاحقاً بأنه لو عاد بالزمن، لأضاف فريق مبيعات في وقت أبكر. حتى النماذج الناجحة تكتشف حدودها.

ماذا تعني حالة Gamma للشركات في السعودية والمنطقة؟

لدينا فرصة حقيقية لبناء شركات مبنية حول الذكاء الاصطناعي (AI-Native) من البداية، بدل محاولة إصلاح هياكل متضخمة بعد سنوات.

لكن لا يمكن نسخ نموذج Gamma حرفياً. فقد بنت منتجاً استهلاكياً عالمياً يعتمد على النمو المقاد بالمنتج (Product-Led Growth) والمشاركة العضوية. أما كثير من الشركات في المنطقة فتبيع إلى مؤسسات كبيرة أو قطاعات منظّمة، حيث تحتاج إلى تكاملات محلية، وحوكمة وامتثال، وعلاقات طويلة مع العملاء، ودعم أكثر حساسية، وفهم دقيق لمسارات الشراء واتخاذ القرار.

لذلك، السؤال ليس: كيف نبني شركة بثلاثين موظفاً؟ بل: أين يمكننا إزالة العمل والتنسيق قبل أن نضيف موظفين جدداً؟

هل نحتاج فعلاً إلى فريق كبير لخدمة كل سوق، أم يمكن بناء معرفة متعددة اللغات؟ هل نحتاج إلى تطوير نموذج خاص، أم أن ميزتنا الحقيقية في البيانات ومسار العمل وتجربة العميل؟ هل نحتاج إلى طبقة إدارية جديدة، أم إلى موظفين أكثر قدرة على اتخاذ القرار والتنفيذ؟ وهل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع العمل القديم، أم لإلغاء أجزاء منه وإعادة تصميم الباقي؟

الخلاصة

Gamma لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها وجدت أداة سحرية ترفع إنتاجية الموظفين. وصلت لأنها أعادت التفكير في: ما الذي يجب أن تبنيه، وما الذي يجب أن تشتريه، وكيف يصل المنتج إلى السوق، وكيف تتعاون الوظائف، وأي نوع من الأشخاص يستحق الانضمام إلى الفريق.

الشركة المبنية حول الذكاء الاصطناعي ليست شركة تقليدية بعدد أقل من الموظفين، إنها شركة مختلفة في توزيع العمل، وملكية القرار، وبنية المعرفة، وطريقة النمو.

ولهذا، قبل أن تعتمد خطة التوظيف القادمة، ربما يجب أن تسأل سؤالاً مختلفاً: هل نحتاج فعلاً إلى شخص جديد، أم أن طريقة العمل الحالية هي التي تحتاج إلى إعادة تصميم؟

شاركني رأيك بتعليق

مقالات مشابهة