خلال خمس سنوات، قد تكتشف شركاتٌ كثيرة أنها لم تعد تملك من يقودها. والسبب ليس موجة استقالات، بل قرارٌ تشغيليٌّ نتّخذه اليوم ونحن نحسبه مكسباً في الإنتاجية.
في تحليلٍ لافتٍ نشره المنتدى الاقتصادي العالمي بقلم (Carina Cortez) مديرة الموارد البشرية في (Cornerstone OnDemand)، يُطرح هذا الخلل بوصفه عيباً في التصميم لا مجرد أثرٍ جانبي: فبينما ننشغل بمكاسب الذكاء الاصطناعي في الكفاءة، يُعيد هذا الذكاء، وبهدوء، تفكيك تجربة الوظائف المبتدئة التي صنعت أجيال القادة.
الخلل لا يظهر في أرباح هذا الربع، ولن يظهر في خطة القوى العاملة للعام المقبل، لكنه سيصطدم بنا كجدار نقصٍ في القيادات قبل أن ننتبه.
وفي ما يلي قراءةٌ في هذا التحليل، مع إضاءةٍ على سياقنا الإقليمي.
الأرقام تكشف ما لا تكشفه الاجتماعات
في الشركات التي تتبنّى الذكاء الاصطناعي التوليدي، تراجع توظيف المبتدئين بنسبة 7.7% مقارنةً بالشركات غير المتبنّية خلال ستة أرباع من التبنّي، بينما واصل التوظيف في المستويات الأعلى ارتفاعه (دراسة جامعة هارفارد، 2025).
واللافت أن التراجع جاء من تباطؤ التوظيف لا من التسريح؛ أي أننا نُغلق باب الدخول، لا نطرد مَن في الداخل.
وعلى مستوى السوق الأوسع، وجد تقرير الخريجين لعام 2026 الصادر عن ZipRecruiter أن حصة الوظائف المبتدئة انخفضت إلى 38.6% في مطلع 2026، بعد أن كانت تتجاوز 44% قبل ثلاث سنوات.
نهاية «المهام الروتينية» تعني نهاية «التمرّن»
الأدوار المبتدئة لم تكن يوماً مجرد مخرجات، بل بيئات تعلّمٍ منظّمة.
فالمحلّل المبتدئ الذي يبني النموذج يدوياً يطوّر حدساً يُخبره متى يكون النموذج خاطئاً، والموظف الجديد الذي تُراجَع مذكرته وتُصحَّح أمامه يتعلّم الحُكم حين يرى تفكيره وهو يُختبَر، والخرّيج الذي يدير موقفاً فوضوياً مع عميل يبني مرونةً لا تصنعها أيّ دورة تدريبية.
ومع أتمتة هذه المهام، صرنا نطلب من المهنيين الشباب تقديم التحليل والرؤية من اليوم الأول، دون البنية الداعمة التي تجعل ذلك ممكناً.
وما يختفي ليس العمل وحده، بل الممارسة: التمرّن المنظّم على ترتيب الأولويات، والتعافي من الخطأ، والتعبير عن عدم اليقين، وبناء المصداقية.
الأكثر تعرّضاً، والأقل دعماً
سجّل جيل زد (Gen Z) أعلى معدلات تغيّرٍ في طبيعة الأدوار، إذ يرى 38% منهم أن الذكاء الاصطناعي غيّر متطلبات وظائفهم جذرياً، وفق استبيانٍ أجرته Cornerstone وشمل ألفي موظف. ومع ذلك هم الأقل حظاً في التدريب: إذ يقول 59% ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي في عملهم من هذا الجيل إن مؤسساتهم لم تقدّم لهم أيّ تدريبٍ رسميٍّ عليه.
والنتيجة اعتمادٌ على الذات، واستخدامٌ لأدواتٍ قوية خارج حواجز الحماية المعتمدة، فيتحوّل «الذكاء الاصطناعي في الظل» (Shadow AI) إلى مُضاعِفٍ للمخاطر.
خمس خطوات لبناء «طبقة التلمذة المهنية» في عصر الذكاء الاصطناعي
١. احمِ دوائر التعلّم داخل المهام المُعاد تصميمها. حين يتولّى الذكاء الاصطناعي مهمةً، لا تحذفها، بل حوّلها إلى «دائرة حُكم» تُراجِع المخرجات وتتحقق من الافتراضات وتختبر التوصيات. دع الأداة تُنتج المسودات والسيناريوهات، وألزِم المواهب الجديدة بنقد القرار وتبريره؛ فالتعلّم يكمن في التقييم.
٢. ابنِ مساراتٍ متدرّجة للمسؤولية. تدرّجٌ من قراراتٍ منخفضة المخاطر وخاضعةٍ للإشراف، وصولاً إلى ملكيةٍ مستقلة، بمعايير واضحة لما يعنيه «العمل الجيد» في كل مرحلة. ويستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي التوجيه أثناء تدفّق العمل ووقت الحاجة، بدلاً من انتظار تدريبٍ رسميٍّ نادراً ما يجد الموظف وقتاً له.
٣. حاسِب المدير على التطوير، لا على الإنتاج وحده. على المدير أن يعلّم فريقه «كيف يفكّر»، لا «ماذا يفعل» فحسب: متى يُصعّد المسألة، وكيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وكيف يتعامل مع عدم اليقين. وتحليلات القوى العاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تساعده على رصد فجوات الكفاءة مبكراً، فيتدخّل في الوقت المناسب قبل أن تتحوّل الفجوة إلى استقالة.
٤. اجعل التنقّل الداخلي مصنعاً للقيادات. المهام الممتدة (Stretch Assignments) والتدوير الوظيفي تبنيان مهارة الحُكم وسعة السياق أسرع من الأدوار الثابتة. ويستطيع الذكاء الاصطناعي إبراز الفرص الداخلية ومطابقة الأشخاص بها وفق مهاراتهم المتطوّرة، ليصبح التنقّل نظاماً مؤسسياً لا شبكة علاقات.
٥. ضع حواجز تمنع «الاعتماد المفرط». يحتاج الشباب إلى حدودٍ تمنعهم من إسناد التفكير نفسه إلى الآلة؛ فإذا مرّت كلّ فكرة عبر الذكاء الاصطناعي، خاطروا بألا تنضج غرائزهم المهنية أبداً. رسّخ حوكمةً خفيفة: أدواتٌ معتمدة، وصيغ استخدامٍ آمنة، وقوائم مراجعة توجّه الممارسة السليمة.
قراءة من سياقنا الإقليمي
في الخليج، حيث تتسارع المؤسسات نحو توسّعٍ مدعومٍ بالذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً. نحن نبني اقتصادنا على كفاءاتٍ وطنيةٍ شابة، والمفارقة أن الأداة التي تَعِدُنا بقفزةٍ في الإنتاجية قد تُضعِف، في الوقت نفسه، قناة التأهيل التي تصنع قادة الغد.
فإن أغلقنا باب التمرّن المبكر، فقد نربح كفاءةً اليوم، ونكتشف فاتورة القيادة بعد سنوات. والميزة التنافسية الحقيقية لن تكون في سرعة تبنّي الذكاء الاصطناعي، بل في قدرتنا على بناء محرّك التطوير البشري الذي يواكبه.
الخلاصة
وفق أبحاث المنتدى الاقتصادي العالمي، ستتغيّر 39% من المهارات الأساسية بحلول 2030.
والتحوّل المطلوب أشبه بالانتقال من «حلّ الواجب» إلى «تصحيحه»: أن نضع المبتدئ في موقع المُقيّم وصانع القرار، لا المُنتِج فقط.
الشركات التي تستبدل المهام المفقودة ببناءٍ متعمَّدٍ لمهارة الحُكم ستصنع قدرةً قيادية تتضاعف مع تقنيتها. أما الأتمتة بلا حُكمٍ بشري فلا تضاعف الأداء؛ بل تضاعف الأخطاء.
والسؤال الذي أتركه لكم: هل تُعِدّ مؤسستك المبتدئين ليكونوا مُقيّمين وصنّاع قرار، أم تكتفي بأتمتة الباب الذي كانوا يدخلون منه؟
المصادر
المنتدى الاقتصادي العالمي، بقلم Carina Cortez



